تربية أطفالنا ليكون الانضباط نابعا من أنفسهم-- الجزء 2

من خلال عملي في الاستشارات الأكاديمية, وجدت ان معظم الأسباب التي تعزو بالأهل لاختيار الدراسة في الخارج لأولادهم كخيار أول, هو أملهم في أن يزداد اعتماد أولادهم على أنفسهم وتحمل مسؤولية أفعالهم بدل الاعتماد الكامل على الأهل.
وقد لاحظت أن اغلب الأهالي يشتكون من عدم تحمل أولادهم لمسؤولية تصرفاتهم عموما, فالولد يُعطى مصروفه الشهري من بداية الشهر وينتهي به الأمر أن يطلب نفس المبلغ في منتصف الشهر وربما قبل ذلك , إذ يشعر بأنه في نهاية المطاف لن يقوم أهله برفض طلبه وسيغفرون له سوء إدارته لمصروفه الشهري.
عادة وبعد جدال , يرضخ الكثير من الأهل لطلبات أولادهم حتى لو كان فيها تكريسا لسلوك غير منضبط .

وسنقوم في هذه المقالة باستشراف أراء كل من الباحثين د. بروكس ود.غولدشتاين فيما يخص بعض النماذج عن تعليم الأبناء تحمل مسؤولية تصرفاتهم بطريقة تكرس مفهوم الانضباط الذاتي.
يؤكد الباحثان انه على الأهل أن يتذكروا دوما ان النتيجة النهائية لتحقيق الانضباط ليست هي الحصول على أطفال مذعنين ومطيعين, فهؤلاء الأطفال قد يقومون بإتباع القواعد التي يضعها الأهل ولكنهم يقومون بذلك غالب الأحيان بدون ان يقدّروا او يفهموا تماما الهدف من وضع هذه القواعد بل يظنون أنها وضعت ليقوم الأهل بفرض سلطة إضافية على الأطفال وليس ليكون الهدف منها ان تكون معالما توجههم في حياتهم اليومية, ومن هنا نجد ان الكثير من الأطفال المطيعين يسيئون التصرف بغياب أهلهم.
وبما أن هدفنا دوما هو تعزيز انضباط الطفل الذاتي فان ذلك يتطلب من الطفل أن يقبل الإقرار بخطئه ومسؤوليته, وان على الطفل أن يدرك أن حياته تقودها النتائج الطبيعية لأفعاله وليس أفعال الآخرين حتى لو كانوا أهلهم.

عندما يكون الأطفال صغارا من الطبيعي ان يضع الأهل القواعد التي توجه حياة أطفالهم ولكن مع الوقت على الأهل أن ينقلوا جزءا كبيرا من المسؤولية والتحكم بالأمور إلى أطفالهم.
يجب أن يُشعِر الأهل الطفلَ بان التصرف بطرق مختلفة تؤدي إلى نتائج مختلفة ويمكن لهذه النتائج أن تعلم الأطفال أنهم يتحكمون بإعمالهم وحياتهم.
إحدى الأمثلة التي ذكرها الباحثان في كتابهما "تربية أطفال ذاتيي الانضباط" عن والد لفتى يبلغ من العمر 9 سنوات. في كل يوم يذكر الوالد ولده بضرورة وضع دراجته الهوائية في المراب في نهاية اليوم وشرح له مرارا أن ترك الدراجة في الخارج قد يضرها بسبب الطقس العاصف أو قد يؤدي إلى سرقتها.


طبعا قام الوالد بتذكير ابنه عدة مرات إلى أن تعب من ذلك واخبره أن من مسؤوليته الحفاظ على دراجته من الضرر أو السرقة.
ما حصل في الواقع أن الطقس ساء بشكل كبير والحق ضررا كبيرا بالدراجة , ومن الواضح ان هذا الضرر كان نتيجة طبيعية لسلوك الفتى.
عندما اكتشف الفتى أن الدراجة تضررت استاء كثيرا وطلب من والده إصلاح الدراجة.

ماذا تتوقعون رد فعل الوالد على طلب ولده؟

ماذا سيكون ردكم لو ان الموقف حصل معكم؟

طبعا اغلبنا سيقول:"ألم أقل لك ذلك؟؟؟؟ ألم أنبهك عشرات المرات على أن هذا قد يحصل؟؟؟"

إلا أن الوالد لم يقل ذلك بتاتا.....

أن الطريقة التي يتصرف بها الأهل في مواقف من هذا النوع تلعب دورا كبيرا في تعليم الطفل الانضباط وتحمل مسؤولية أفعاله.

لاحظوا أن الوالد مسبقا كان قد وضح للطفل انه في حال إهمال دراجته فإنها ستتعرض للضرر وان الحفاظ على الدراجة هي مسؤولية الفتى.
 لقد أجاب الوالد ابنه بأنه يمكنه أن يصطحب الدراجة إلى كراج التصليح لكن دفع كلفة التصليح سيتحملها الفتى من مصروفه الخاص أو من مدخراته!! وان لم تكن الدراجة قابلة للتصليح فسيتحمل الفتى نفقات الدراجة الجديدة.

لم يعبر الوالد عما قاله أعلاه بالامتعاض أو بالاستهزاء أو حتى بالرضى, فالطفل سيتعلم من النتيجة الطبيعية لسلوكه وليس من توبيخ الأب له بسبب تصرفه اللامبالي.
لكن الرسالة التي ستصل للفتى مفادها أن الأب لن يوبخه ولن يقوم بالتعاطف المباشر معه ويشتري له دراجة جديدة بل انه هو (اي الفتى)  المسؤول الأول والأخير عما جرى ويجب ان يتحمل مسؤولية سلوكه.
كما لاحظنا, من المهم التأكيد للأطفال على أنهم يملكون خيارات بشأن سلوكهم وأن كل خيار يودي بهم إلى نتيجة مختلفة, وبهذه الطريقة يلعب الأهل دورا كبيرا في تقوية الشعور بالمسؤولية لدى أطفالهم كما أنها تقوي لديهم شعور التحكم بشؤون حياتهم لاحقا.
-------------------------------------------------------

منار وسوف

البحرين

24 فبراير 2012

مقالات منار

تابعوني على فيسبوك

أحدث التعليقات

في حديقتي الان

There are currently 0 users and 0 guests online.

من أين يزار الموقع اليوم؟